تصعيد خطير على خط ديوراند يشعل كابول وإسلام آباد

بعد ساعات من إعلان أفغانستان الهجوم علي باكستان

وت ثلاثة انفجارات على الأقل في العاصمة الأفغانية كابول فجر الجمعة، وترافقت مع أصوات طائرات تحلق في الأجواء، بعد ساعات فقط من إعلان الحكومة الأفغانية تنفيذ هجوم عسكري عبر الحدود داخل الأراضي الباكستانية. التطورات المتسارعة تعكس مرحلة جديدة من التوتر بين أفغانستان وباكستان، في نزاع يتجاوز الاشتباكات الميدانية ليحمل أبعاداً سياسية وأمنية أعمق.

حتى الآن، لم تُعرف المواقع الدقيقة للانفجارات داخل كابول، كما لم تُعلن حصيلة مؤكدة للضحايا. غير أن توقيت الانفجارات، بعد ساعات من العملية الأفغانية، يطرح تساؤلات حول احتمال رد باكستاني سريع، أو دخول أطراف أخرى على خط المواجهة.

هجوم مقابل هجوم… روايتان متضاربتان

أعلنت كابول أن جيشها شن عملية عسكرية واسعة عبر الحدود رداً على غارات جوية باكستانية نُفذت الأحد الماضي في مناطق حدودية أفغانية. ووفق الرواية الأفغانية، تمكنت القوات من السيطرة على أكثر من اثني عشر موقعاً عسكرياً باكستانياً على طول خط ديوراند، الممتد لنحو 2611 كيلومتراً، وهو خط حدودي لا تعترف به أفغانستان رسمياً.

المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد قال إن العمليات جاءت “رداً على التمردات والانتهاكات المتكررة من الجيش الباكستاني”، بينما أعلنت وزارة الدفاع أن الضربات استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية في خمس ولايات حدودية.

في المقابل، نفت إسلام آباد هذه المزاعم بشدة. وأكد وزير الإعلام الباكستاني عطا الله طرار أن الاشتباكات وقعت بالفعل، لكنه وصف الهجوم الأفغاني بأنه “غير مبرر”، نافياً سقوط العدد الكبير من القتلى الذي تحدثت عنه كابول. وأعلنت باكستان مقتل جنديين فقط وإصابة ثلاثة، مؤكدة أنها قتلت 36 “مقاتلاً أفغانياً” خلال المواجهات.

التباين الكبير في أرقام الخسائر يعكس حجم الحرب الإعلامية الموازية للمعركة الميدانية، ويصعّب التحقق من الوقائع على الأرض في ظل غياب مصادر مستقلة.

تورخم وننكهار… جبهة إنسانية مقلقة

لم يقتصر التصعيد على محور واحد. فقد اندلعت اشتباكات أيضاً قرب معبر تورخم الحدودي، أحد أهم المعابر التجارية بين البلدين. وأفادت مصادر محلية بإخلاء مخيمات لاجئين في الجانب الأفغاني بعد إصابة عدد منهم، فيما تحدثت الشرطة الباكستانية عن نقل سكان قرى حدودية إلى مناطق أكثر أماناً.

سقوط قذائف هاون في قرى باكستانية مجاورة زاد من المخاوف بشأن سلامة المدنيين، رغم عدم تسجيل إصابات مؤكدة حتى اللحظة. ويأتي هذا التصعيد في سياق حساس، إذ كانت باكستان قد بدأت منذ أكتوبر 2023 حملة واسعة لترحيل مئات الآلاف من المهاجرين الأفغان، ما أضاف بعداً إنسانياً وسياسياً للعلاقة المتوترة.

جذور الأزمة: طالبان باكستان والاتهامات المتبادلة

تتهم إسلام آباد حركة حركة طالبان باكستان بالعمل انطلاقاً من داخل الأراضي الأفغانية وشن هجمات ضد أهداف باكستانية، وهو ما تنفيه كابول. ورغم أن الحركة منفصلة تنظيمياً عن طالبان أفغانستان، فإن الروابط الأيديولوجية والتاريخية بينهما تجعل الملف شديد الحساسية.

الغارات الباكستانية الأخيرة، التي أعلنت إسلام آباد أنها أسفرت عن مقتل 70 مسلحاً، تقول كابول إنها استهدفت مناطق مدنية، بما في ذلك مدرسة دينية ومنازل في شرق البلاد. ووصفت وزارة الدفاع الأفغانية الضربات بأنها “انتهاك للسيادة والمجال الجوي”.

هذا التراشق بالاتهامات يعكس أزمة ثقة عميقة بين الجانبين، رغم وجود وقف إطلاق نار سابق توسطت فيه قطر وصمد نسبياً لأشهر، قبل أن تتجدد الاشتباكات.

سيناريوهات مفتوحة… احتواء أم انزلاق أوسع؟

المؤشرات الحالية لا توحي برغبة أي من الطرفين في حرب شاملة، لكن استمرار العمليات المحدودة قد يؤدي إلى انزلاق غير محسوب، خاصة في ظل تصاعد النزعة القومية داخلياً في البلدين.

بالنسبة لأفغانستان، يشكل الرد العسكري رسالة مفادها أنها لن تقبل بضربات داخل أراضيها دون رد. أما باكستان، فتسعى لإظهار الحزم في مواجهة ما تعتبره تهديداً أمنياً عابراً للحدود.

التحدي الأكبر يتمثل في منع تحول الاشتباكات الموضعية إلى مواجهة ممتدة على طول خط ديوراند، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية. فالمعابر الحدودية تمثل شرياناً تجارياً حيوياً، وأي إغلاق طويل سيؤثر مباشرة على الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد.

في المحصلة، يقف البلدان أمام مفترق طرق: إما العودة إلى مسار التهدئة عبر وساطة إقليمية، أو الاستمرار في سياسة الضربات المتبادلة التي قد تعمّق الانقسام وتزيد من هشاشة الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من اضطرابات مزمنة.