تداعيات التوتر في إقليم تيجراي الإثيوبي .. هل يقود التصعيد القرن الإفريقي إلى حرب شاملة؟

وسط تصاعد احتمالات تدخل إريتريا

عاد إقليم تيجراي الإثيوبي إلى واجهة الأحداث بعد تجدد المواجهات المسلحة وتصاعد التوتر بين الحكومة الاثيوبية وجبهة تحرير تيجراي  داخل الإقليم، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب الدامية التي استمرت بين عامي 2020 و2022 تلقي بظلالها على الأوضاع الأمنية والسياسية.

ويثير هذا التصعيد مخاوف حقيقية من انهيار اتفاق بريتوريا للسلام، واتساع رقعة الصراع ليشمل دول الجوار، وفي مقدمتها إريتريا، بما قد يعيد القرن الأفريقي إلى مرحلة من عدم الاستقرار الإقليمي.
وتعود أسباب التوتر إلى الخلافات العميقة داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، التي انقسمت إلى تيارين متنافسين على إدارة الإقليم ومستقبل العلاقة مع الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا. كما أسهم التأخر في تنفيذ بنود اتفاق السلام، خاصة ما يتعلق بنزع السلاح وعودة النازحين وإعادة الخدمات، في زيادة الاحتقان، فضلاً عن استمرار وجود قوات أجنبية وقوات من إقليم أمهرة في مناطق متنازع عليها.

من أطلق رصاصة البداية في التيجراي ؟

أما بشأن “رصاصة البداية”، فإن كل طرف يتهم الآخر بالمسؤولية عن إشعال المواجهات. فالقوى الموالية للإدارة الرسمية في تيجراي تتهم الفصائل المنشقة بمحاولة السيطرة بالقوة على المؤسسات الأمنية والإدارية، بينما تؤكد الفصائل الأخرى أنها تعرضت لاستفزازات وعمليات إقصاء دفعتها إلى الرد العسكري. وحتى الآن لا يوجد توافق مستقل على الجهة التي بدأت القتال، إذ تتضارب الروايات الصادرة عن الأطراف المختلفة.
ويأتي هذا التصعيد في ظل أزمة سياسية داخل إثيوبيا، حيث تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد تحديات أمنية متعددة، سواء في إقليم أمهرة أو أوروميا، الأمر الذي يقلل من قدرتها على احتواء أي انفجار جديد في تيجراي. كما أن استمرار النزاعات الداخلية يضعف مؤسسات الدولة ويزيد من الضغوط الاقتصادية والإنسانية.
وتكمن خطورة الوضع في أن أي مواجهة واسعة داخل تيجراي قد تتجاوز حدود الإقليم سريعاً، نظراً لتشابك المصالح الإقليمية. فالحدود بين إثيوبيا وإريتريا شهدت خلال الحرب السابقة مشاركة مباشرة للقوات الإريترية دعما لأديس أبابا ، وهو ما يجعل احتمال عودة أسمرة إلى المشهد العسكري محل متابعة من المراقبين.

وتوجد عدة عوامل قد تدفع إريتريا إلى الانخراط في الصراع إذا تطورت الأحداث. فمن ناحية، ترى القيادة الإريترية أن جبهة تحرير شعب تيجراي مثلت لسنوات تهديداً مباشراً لأمنها القوميقبل ان تتغير الأوضاع وتتدخل اسمرة في الصراع لدعم خصومها السابقين ،

إريتريا واستعادة النفوذ

ومن ناحية أخرى تسعى أسمرة إلى دعمخصوم حكومةأبي أحمد في ظل تصاعد التوتر بين البلدين حول تطلع اثيوبيا للحصول علي ميناء مصوع الاريتري كمنفذ لها علي البحر الأحمر وهو ما ترفضه اسمرة وعواصم إقليمية جملة وتفصيلا
في المقابل، فإن مشاركة إريتريا ليست أمراً محسوماً، إذ إن الدخول في حرب جديدة يحمل كلفة عسكرية واقتصادية كبيرة، فضلاً عن احتمال تعرضها لضغوط دولية وعقوبات إضافية. كما أن المجتمع الدولي يراقب التطورات عن كثب، ويضغط من أجل الحفاظ على اتفاق السلام ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
وتواجه الحكومة الإثيوبية معادلة معقدة؛ فهي مطالبة بالحفاظ على وحدة البلاد ومنع انهيار اتفاق بريتوريا، وفي الوقت نفسه تجنب فتح جبهة قتال جديدة تستنزف الجيش الإثيوبي الذي ينتشر بالفعل في أكثر من إقليم مضطرب. ولذلك قد تفضل أديس أبابا احتواء الأزمة عبر الوسائل السياسية إذا أمكن، مع الاحتفاظ بخيار التدخل العسكري إذا خرجت الأوضاع عن السيطرة.
ومن الناحية الإقليمية، فإن أي حرب واسعة في تيجراي ستكون لها انعكاسات مباشرة على القرن الأفريقي بأكمله، إذ قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو السودان وإريتريا، وتعطل طرق التجارة، وتؤثر في مشروعات الربط الاقتصادي، فضلاً عن زيادة نشاط الجماعات المسلحة التي تستغل حالات الفوضى الأمنية.
كما أن عودة الحرب ستؤثر في التوازنات بين دول القرن الأفريقي، خاصة في ظل التنافس على الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر، وهو ما قد يدفع بعض القوى الإقليمية والدولية إلى دعم أطراف مختلفة حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية.

حرب إقليمية شاملة

ورغم ارتفاع مستوى التوتر، فإن احتمال اندلاع حرب إقليمية شاملة لا يزال مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها مدى قدرة الوسطاء الأفارقة على إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، والتزام الحكومة الإثيوبية وجبهة تيجراي ببنود اتفاق السلام، إضافة إلى موقف إريتريا وما إذا كانت ستكتفي بالمراقبة أم ستتدخل عسكرياً إذا شعرت بأن أمنها مهدد.
وفي هذا السياق ، تبدو منطقة القرن الأفريقي أمام مرحلة شديدة الحساسية. فاستمرار الاشتباكات في تيجراي قد يقوض ما تحقق من تقدم منذ توقيع اتفاق السلام، ويعيد إثيوبيا إلى دوامة الحرب الداخلية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على أمن المنطقة بأسرها.

غير أن تجنب هذا السيناريو لا يزال ممكناً إذا نجحت الجهود السياسية في احتواء الأزمة، وتسريع تنفيذ بنود التسوية، ومنع انزلاق الأطراف إلى مواجهة عسكرية جديدة ستكون كلفتها باهظة على إثيوبيا ودول الجوار على حد سواء.

اترك تعليقا