بيان هيئة الإفتاء بشأن الحرب على إيران
هذه الحرب تجري بين عدوين للأمة
- dr-naga
- 28 فبراير، 2026
- اخبار الأمة الإسلامية
- الحرب على إيران, المسلمين, هيئة الإفتاء
بسم الله الرحمن الرحيم
هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامة
هيئة علمائية عالمية تحت التأسيس
بيان هيئة الإفتاء
بشأن الحرب على إيران
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
بالأمس أغارت القوات الإسرائيلية بدعم من أمريكا وحلفائها على إيران، وابتدأت حربًا جديدةً في المنطقة، لا يدري أحد متى تنتهي؟ وإلى أيِّ مدًى سَتَسْرِي نيرانُها، ولا يدري المسلمون ما الذي ستتمخض عنه هذه الحرب من مفاسد ومصالح، ومن مضار ومنافع؛ فما هو الموقف الشرعيّ من هذه الحرب؟ ما هي القواعد الشرعية العامة التي تحكم موقفنا منها؟ هذا ما تبينه الهيئة في جملة من البنود، بيانها كالتالي:
أولًا
ينبغي للمسلمين لَدَى وقوع أحداث كهذه – ولاسيما في أزمان التحولات الكبري كهذا الزمان – أن يستحضروا السنن الإلهية التي لا تتخلف ولا تتبدل، وأن يتدبروا النواميس الربانية بالرجوع إلى كتاب الله تعالى، وأن يستدعوا القيم الإيمانية والموازين الشرعية، فما من شكٍّ في أنّ الأمرَ كلَّه لله، قبل وقوع الأحداث وبعد وقوعها، قال تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ؛ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)) (الروم: 1-4)، وقد نزلت هذه الآيات في مكة؛ تخبر المؤمنين بخبر حربين كبيرتين ستدور رحاهما بين قوتين، تمثل كلٌّ منهما تهديدًا للإسلام وللأمة الإسلامية الوليدة، وتبشرهم بأنّهم يوم أن تنتهي الحرب الثانية منهما، ويغلب الروم على الفرس سيكون المؤمنون قد بلغوا التمكين وكسروا قريشًا وأقاموا دولتهم؛ ويومئذٍ يفرحون بنصر الله لهم.
ثانيًا
من المسَلَّمِ به شرعًا وواقعًا أنّ الصليبيين والصهاينة هم ألدّ أعداء هذه الأمة، ولاسيما دولة أمريكا والكيان الصهيونيّ المحتلّ، وأنّ المشروع الإيرانيّ من أخطر المشاريع الإجرامية على الأمة الإسلامية، ومن ثمّ فإنّ هذه الحرب تجري بين عدوين لهذه الأمة، وهما – وإن كان أحدهما أشدّ بعدًا عن الإسلام من الآخر – لا يُقصِّران في الكيد لهذه الأمة والتهديد الوجوديّ لها؛ وعليه فإنّ هذه الحرب لا ناقة للمسلمين فيها ولا جمل؛ إذْ هي حرب بين عدوين للإسلام والمسلمين، أحدهما – وهو الأشدَ خطرًا والأبعد عن الإسلام – يحتلّ فلسطين والقدس ويحاصر الأمة الإسلامية من كافّة أطرافها، بالخنق الاقتصادي، وبالغارات العسكرية والحروب، وبالنظام الدولي الظالم الغاشم، وبهذه الأنظمة المجرمة التي ولّاها على المسلمين؛ لتؤمن له الخراج، وتحقق له مصالحَه العاجلةَ والآجلة، وتكفيه غَضْبَةَ الشعوب المسلمة، والآخر دمّر حواضر العالم الإسلاميّ الكبرى (العراق والشام واليمن) من أجل مشروعه الصفويّ الفارسي الرافضي المجرم، ولا يزال يُضْمِرُ السوء ويواصل التجهز للانقضاض على الأمة في أقرب فرصة؛ لينجز مشروعه الصفويّ، الذي لا أفق له إلا التوسع على حساب أهل السنة، الذين هم أهل الإسلام على الحقيقة؛ فهذه الحرب ليست من الحروب التي يكون الإسلام طرفًا فيها، وإن كان يتأثر بها سلبًا أو إيجابًا.
ثالثًا
ومع ذلك فإنّه من الأهمية بمكان الاهتمام بشأن هذه الحرب؛ إذ قدْ تكون مصلحة للأمة الإسلامية؛ وذلك إذا امتدّ أمدها وكثرت خسائر الطرفين فيها دون أن يجهز أحدهما على الآخر بشكل كامل، وإذا لم تتوسع فتطال أطرافًا من الأمة أو تهدد مصلحة من مصالحها الدينية أو الدنيوية، وقد لا تكون مصلحة للأمة الإسلامية إذا أفضت إلى أن يكسر أحد الطرفين الآخر ويبقى هو محافظًا على قوته وعنفوانه؛ لأنّ هذا سيعطيه الفرصة ليتمدد بارتياح على حساب المسلمين والإسلام، فبقاء الندّية والضدّية قائمة بين الأعداء أصلح للأمة، وبخاصة إذا أضعف كلّ منهما الآخر وأنهك قوته، وإذا كان من المتوقع أن ينهار الكيان الإيراني؛ فعلى الرغم مما في هذا الكيان من الشرور، وعلى الرغم من إيماننا بأنّه كاذب في دفاعه عن القضية الفلسطينية، يُعَدُّ بقاؤه مصدر تهديد للكيان الصهيونيّ؛ وعليه فإنّ بقاءه قد يكون أولى من زوزاله، على شرط أن يضعف كل من الطرفين الآخر وألّا تنتهي الحرب بتسوية على حساب السنة.
رابعًا
لا اعتبار ولا اعتداد في هذه الموازنة بكون الكيان الإيرانيّ ينسب للإسلام؛ لأنّ هذا الكيان لا يمت للإسلام الحقّ بصلة، وحتى لو سلمنا بأنّ التشيع الذي كان موجودًا من قبل هو دين هذا الكيان – وهذا ما لا نسلم به لاندراس التشيع القديم وبقاء المسخ الرافضي المعاصر – فإنّ الموازنة هنا بين قوى ومشاريع محاربة للإسلام، لا بين شعوب مسلمة بعضها من أهل السنة وبعضها من الشيعة الضالة المنحرفة، ولا اعتبار ولا اعتداد كذلك بأنّ أحد الفريقين المتحاربين أبعد عن الإسلام من الآخر؛ لأنّ حجم الضرر الذي يقع على الإسلام والمسلمين من كليهما كبير وخطير، ولأنّه لا يقوم أحدهما مقام الأمة الإسلامية سواء كان أقرب أو أبعد، ولأنّهما قد تحالفا من قبل على هذه الأمة عندما التقت مصالحهما، ولا يوجد مانع من عودتهما لذلك إذا تجددت المصالح وتبددت غيوم العداوة المؤقتة، لكن قد يكون هناك اعتبار واعتداد ببعض الفروع التي لا تأتي على أصل الموقف بالنقض، كوجود مسلمين أهل سنة في الداخل الإيراني، واحتمال وجود شيعة لم يتلبسوا بالشرك الصريح الذي غلب على المستظلين بمظلة النظام الإيرانيّ، وهذا قد يكون له أثر في بعض الأحكام الفرعية التي تأتي تبعًا؛ وذلك لأنّ وضعهم يأتي كذلك تبعًا في المعادلة لا أصلًا.
خامسًا
انطلاقًا من رجحان القول بأنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فإنّ الأنظمة العربية لا يجوز لها أن تتحالف مع واحد من الفريقين، وإذا كان من المتوقع أن تدفع أمريكا بعض دول المنطقة للانخراط بصورة أو بأخرى في دعم العدو الصهيونيّ فإنّ هذا – إن وقع – سيكون أشدَّ حرمة وأعظم إثمًا، وعلى الشعوب المسلمة أن ترفض الانصياع لحكامها في هذا؛ لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق جلّ وعلا.
سادسًا
نطالب جميع المسلمين بالوحدة، وبالعمل على إقامة المشروع الإسلامي الذي يسعى إلى التمكين وإزالة الطواغيت، عبر مراحل معلومة ووفق خطط مرسومة، كما ينبغي أن يكثر المسلمون في أيّام الفتن هذه من الدعاء والذكر، ومن العبادة والصبر، وأن يحافظوا على تلاوة القرآن وتدبره آناء الليل وأطراف النهار، وأن ينأوا بأنفسهم عن مواطن الفتن، وأن يجددوا التوبة ويكثروا من الاستغفار؛ فإنّ الفتن إذا وقعت قد لا يقف أثرها على الظالمين وحدهم: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)، نسأل الله تعالى للمسلمين العافية، وللإسلام العزّة والتمكين، والله المستعان على كلّ حال.