بلطجة السياسة وخوف السقوط
بقلم: السيد التيجاني
- السيد التيجاني
- 21 يناير، 2026
- رأي وتعليقات
- الامم المتحدة, السيد التيجاني, الولايات المتحدة, ترامب, نتنياهو
أكتب هذا المقال من موقع القلق لا اليقين. ما نشهده اليوم في سلوك دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ليس مجرد صدامات سياسية عابرة، بل نمط متكرر من “الهروب إلى الأمام”. أشعر أحيانًا أننا أمام زعماء لا يرون المستقبل إلا كساحة معركة، ولا يرون القانون إلا كعقبة مؤقتة.
حين أتابع خطاب ترامب، أجد نفسي أمام رجل في صراع دائم مع الزمن. هو لا يتصرف كسياسي تقليدي ينهي فترته ويغادر، بل كقائد يعتبر السلطة خط الدفاع الأخير عن ذاته. في هذا الإطار أفهم عداءه للمؤسسات، للقضاء، للإعلام، وحتى لحلفاء الولايات المتحدة التاريخيين.
ما يلفتني أن هذا السلوك لا ينبع فقط من أيديولوجيا، بل من خوف. الخوف من المحاسبة، من فقدان السيطرة على السردية، ومن التحول من “زعيم” إلى “متهم”. لذلك يصبح التصعيد وسيلة للبقاء في المركز، ولو على حساب الاستقرار العالمي.
الأمر نفسه أراه عند نتنياهو، وإن اختلف السياق. فالرجل محاصر بملفات قانونية، ومجتمع منقسم، وشرعية داخلية متآكلة. في مثل هذه الحالات، تصبح الحرب أو التهديد الدائم بها أداة سياسية، لا خيارًا أمنيًا فقط. كلما طال الصراع، تأجل السؤال: من يحاسب؟
أسأل نفسي: هل يمكن أن يذهبا إلى أقصى حد، حتى لو احترق العالم؟ ربما ليس عن قصد تدميري مباشر، لكن التاريخ يخبرنا أن القادة المحاصرين مستعدون للمخاطرة العالية حين يشعرون أن السقوط حتمي. السلطة هنا تتحول من خدمة عامة إلى مسألة بقاء شخصي.
أما الحديث عن حرب أهلية في الولايات المتحدة، فأنا لا أراه سيناريو وشيكًا بمعناه العسكري، لكنني أرى شيئًا أخطر: تفككًا بطيئًا. انقسام حاد، عنف سياسي فردي، تشكيك في الانتخابات، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع. ترامب لم يصنع هذا وحده، لكنه عمّقه وشرعنه.
نهاية الإمبراطورية الأمريكية، في رأيي، لا تعني انهيارًا فجائيًا، بل فقدان القدرة الأخلاقية والسياسية على القيادة. حين تعادي أمريكا العالم، وتنسحب من أدوارها، وتتعامل بمنطق الصفقة لا الشراكة، فإنها تترك فراغًا لا تملؤه بسهولة.
في هذا السياق أفهم الهجوم المستمر على الأمم المتحدة. المنظمة، بكل عيوبها، تمثل فكرة أن العالم لا يُدار بالقوة وحدها. وترامب ونتنياهو لا يرتاحان لأي إطار يقيّد القرار الأحادي أو يفتح باب المحاسبة الدولية.
هنا يبرز سؤال “مجلس السلام المجمّع”. هل يمكن إنشاؤه؟ نعم نظريًا. الفكرة تقوم على تحالف دول أو قوى كبرى خارج شلل مجلس الأمن، تتخذ قرارات سريعة بذريعة حفظ الاستقرار. لكنني أرى خطرًا واضحًا: من يحدد السلام؟ ومن يملك حق القيادة؟
وهنا أصل إلى السؤال الأخطر: هل يسعى ترامب إلى قيادة العالم من خلال كيان بديل، حتى بعد نهاية فترته الرئاسية، لضمان عدم المحاسبة؟ في رأيي، الاحتمال قائم من حيث الرغبة لا من حيث القدرة الكاملة.
ترامب يفكر بعقلية الزعيم لا الرئيس. هو لا يرى نفسه موظفًا عامًا ينتهي دوره، بل “قائد حركة”. لذلك قد يغريه أي إطار دولي أو شبه دولي يمنحه صفة قيادية، نفوذًا، وحصانة غير مباشرة. ليس بالضرورة مجلس سلام رسمي، بل شبكة نفوذ، تحالفات، منصات سياسية واقتصادية.
لكن العقبة الكبرى أمام هذا الطموح هي المؤسسات نفسها. العالم ليس شركة، والشرعية الدولية لا تُشترى بسهولة. أي مجلس سلام خارج الأمم المتحدة سيعاني من سؤال الاعتراف، والتمثيل، والمصداقية، خاصة إذا ارتبط بشخص مثير للانقسام.
السيناريوهات أمامنا متعددة. الأول أن ينجح ترامب في العودة للسلطة، فيُضاعف الاستقطاب ويؤجل محاسبته، لكن ضمن قيود داخلية تحدّ من اندفاعه. الثاني أن يفشل قانونيًا، فيتحول إلى رمز احتجاج دائم، لا قائد نظام عالمي. الثالث أن تتآكل فكرة القيادة الأمريكية نفسها، بغض النظر عن ترامب.
ما أخلص إليه أن المشكلة ليست في شخص واحد، بل في نمط قيادة يرى العالم ساحة صراع دائم، ويرى القانون عدوًا، ويرى السلام ضعفًا. هذا النمط قد يربح معارك قصيرة، لكنه يخسر المستقبل.
وأنا أكتب هذا، لا أزعم امتلاك الحقيقة، لكنني أخشى أن العالم يقف على مفترق طرق: إما إصلاح النظام الدولي ومؤسساته، أو الانزلاق نحو فوضى يقودها زعماء يهربون إلى الأمام، لأن التوقف يعني الحساب.