بعد عقود من الحملة الأمريكية الكارثية في أفغانستان، يرتكب ترامب الأخطاء نفسها تمامًا
مقالة في الغارديان البريطانية للكاتب/ سايمون تيسدال
- معاذ الجمال
- 4 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات, مقالات وتحليلات
- أزمة مضيق هرمز, إدارة دونالد ترامب, اخر اخبار الحرب الإيرانية, ازمة خليج هرمز, اضطرابات الشرق الأوسط, توترات الشرق الأوسط, ماركو روبيو, ى
يمضي هذا الشهر خمسة أعوام على الانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من “كابول”، ويُنظر اليوم على نطاق واسع إلى الغزو والاحتلال المدعومين من “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) لـ”أفغانستان”، اللذين أُطلقا عقب الهجمات الإرهابية في (11 سبتمبر/أيلول 2001) على مدينة نيويورك وواشنطن العاصمة، باعتبارهما فشلًا ذريعًا، وقد أودت الحرب بحياة أكثر من (2400 جندي أمريكي) و(450 جنديًا بريطانيًا)، إلى جانب عشرات الآلاف من المدنيين (ولا يزال العدد الدقيق غير معروف).
ورغم أن “تنظيم القاعدة” أُبعد عن الساحة، فإن مضيفيه من حركة “طالبان” أعادوا فرض حكم إسلامي قمعي ومعادٍ للنساء بعد استعادة السلطة في عام 2021، وأصبحت “أفغانستان” مرادفًا للتدخلات الغربية غير المدروسة ومحاولات بناء الدول، وكانت النموذج الأبرز لما يُعرف بـ”الحرب الأبدية”، وهو مصطلح صيغ لأول مرة خلال (حرب فيتنام)، ولو كانت لهذه القصة التحذيرية أي قيمة دائمة، لتمثلت في ردع السياسيين والجنرالات الذين قد تُغريهم المغامرة بالدخول في صراعات مفتوحة بلا مبرر واضح، أو أهداف محددة وقابلة للتحقيق، أو استراتيجية للخروج.
لكن من المحبط أن درس “الحرب الأبدية” اضطر العالم إلى تعلمه مجددًا في العراق، الذي غزته الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003، ثم غادرتاه في عام 2011 بعد أن تسببتا في أضرار هائلة مقابل فوائد ضئيلة، وكان الشعار المتحمس آنذاك، وما زال منذ ذلك الحين: “لن يتكرر ذلك أبدًا!”، ومع ذلك، يبدو أن النمط الكارثي نفسه يتكرر الآن بعد قرار “دونالد ترامب”، الذي يصعب استيعاب مدى حماقته، بمهاجمة “إيران”، فالحرب التي وصفها بأنها “نزهة صغيرة” تدخل شهرها السادس، وقد تصاعدت بوتيرة سريعة، وهي أيضًا تحمل ملامح حرب بلا نهاية.
إن تكرار هذا الكابوس مجددًا يتحدى كل منطق، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة للحرب، يمكن العثور على الإجابات في المبالغات والتصورات الأمريكية الخاطئة المستمرة بشأن حجم وطبيعة التهديدات الخارجية، ممزوجة بعدم الأمانة السياسية، والغطرسة الوطنية، والسذاجة، والمثالية في غير محلها.
واستحضارًا للتجربة الأمريكية المؤلمة في أفغانستان، يرى “كارتر مالكاسيان”، الأستاذ في الكلية الوطنية للحرب، والذي عمل مستشارًا مدنيًا للقوات الأمريكية في هلمند وكابول، أن الفرضية الأساسية التي بررت بقاء القوات في أفغانستان لمدة (20 عامًا)، وهي الاعتقاد بأن البلاد ستعود خلاف ذلك إلى أن تصبح ملاذًا آمنًا للإرهاب الدولي، كانت معيبة على نحو قاتل.
وكتب مالكاسيان: “لم يحدث شيء من هذا القبيل، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، لم تُنفذ أي عملية إرهابية واحدة ضد الولايات المتحدة من قبل جماعة مقرها أفغانستان”، وأضاف: “أنفقت واشنطن نحو (تريليون دولار) على الحرب، ونُشر أكثر من (775 ألف فرد من القوات الأمريكية)… وكل ذلك للدفاع ضد تهديد تبين في النهاية أنه كان مبالغًا فيه”، وتابع: “بعد خمس سنوات، لا يكمن الخطر الأكبر في احتمال ظهور ملاذ آمن للإرهاب مرة أخرى في أفغانستان، بل إن التهديد الأخطر يتمثل في خطر النسيان الجماعي”، وباختصار، فإن “مخاوف اللحظة” يجب ألا تحجب ذكريات التكاليف الباهظة طويلة الأمد، البشرية والمالية والجيوسياسية، للحروب الأبدية التي لا تنتهي.
وإذا كانت الحرب في أفغانستان قد خيضت على أساس افتراض خاطئ، فإن غزو العراق الغني بالنفط كان أكثر اعتمادًا على فرضيات زائفة، فقد ثبت عدم صحة ادعاء “جورج دبليو بوش” عام 2002 بأن نظام “صدام حسين” يمتلك مخزونات جاهزة للاستخدام من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ويسعى إلى امتلاك قنبلة نووية، كما ثبت أيضًا عدم صحة ادعاء نائب الرئيس آنذاك، “ديك تشيني”، بأن العراق “يدعم ويحمي” تنظيم القاعدة، وأصبح الاحتلال اللاحق والتمرد جزءًا من حرب أبدية أكبر، هي “الحرب العالمية على الإرهاب” التي أعلنها “بوش”.
ووفقًا لمشروع “تكاليف الحرب” بجامعة براون، قُتل ما يقدر بنحو (940 ألف شخص) في أعمال العنف المباشرة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان بين عامي 2001 و2023، كما توفي ما يصل إلى 3.8 مليون شخص بصورة غير مباشرة في مناطق الحروب التي أعقبت 11 سبتمبر.
من السهل إعادة تقييم قرارات الحرب والسلام بعد وقوعها، بينما كانت قد اتُخذت تحت ضغط أحداث مروعة، أما السعي المخادع وراء أجندات سياسية وعسكرية وتجارية، والتلاعب بالاستخبارات والرأي العام، فمن الأصعب تبريره، ومع ذلك، هل شُنت أي حرب في التاريخ من دون دوافع خفية؟ فالفيلم الجديد الذي يدور حول ملحمة هوميروس “الأوديسة” يتناول ما بعد حرب طروادة التي استمرت عشر سنوات، والتي اندلعت ظاهريًا بسبب اختطاف الجميلة هيلين الإسبارطية.
لكن، بصورة أكثر واقعية، ربما كانت الحرب تتعلق بالتجارة العادلة أكثر من تعلقها بامرأة جميلة، كما أكدت الولايات المتحدة أنها خاضت (حرب فيتنام) لدعم الديمقراطية ووقف انتشار الشيوعية، وفق “نظرية الدومينو” التي فقدت مصداقيتها لاحقًا، لكنها كانت أيضًا تدور إلى حد كبير حول فكرة الاستثنائية الأمريكية والهيمنة العالمية، ومن هذه الزاوية، لم يتغير الكثير.
ما الذي يدفع السياسيين الأمريكيين أيضًا إلى المجازفة بالتورط في حروب خارجية مكلفة لا يستطيعون السيطرة عليها، وغالبًا ما يخسرونها؟ إن انعدام الشعور بالأمن، أي الخوف، هو القاسم المشترك، فكما فعل “بوش” من قبله، بالغ “ترامب” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، عن علم، في تصوير مدى إلحاح التهديد الإيراني وطبيعته الوجودية، وكما كان العراق في عام 2003، لا تمتلك إيران أسلحة نووية، ولا يوجد أي دليل قاطع على أنها تحاول، أو حاولت مؤخرًا، امتلاكها، وهناك مفارقة متكررة هنا، تتمثل في أن أقوى دولة في العالم تبدو مرة أخرى وكأنها تخشى أوهامًا لا وجود لها.
كما أن عداء ترامب المتغطرس لجيران أضعف مثل “فنزويلا” و”كوبا” و”كولومبيا” و”بنما” و”جرينلاند” يحمل هو الآخر طابعًا دائمًا، فهو يستند إلى الأسطورة المؤسسة التي تقول إن للولايات المتحدة مهمة فريدة وحقًا في الإشراف على نصف الكرة الغربي، وهي رؤية وسعتها لاحقًا لتشمل بقية العالم، وكذلك فإن الجشع دائم أيضًا، فبعد أن تخلى ترامب عن الأفكار المثالية المتعلقة بنشر الديمقراطية، بات يسعى إلى فرض الهيمنة الاقتصادية إلى جانب الهيمنة الجيوسياسية، وقد حاول تحويل الحربين في “أوكرانيا” و”غزة” إلى مصدر للربح، كما أن تركيزه على “مضيق هرمز” يوضح كيف تتقاطع السياسة الأمنية دائمًا مع المصالح المالية والتجارية.
كما أن غياب الوساطة الفعالة وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وإضعاف الدبلوماسية الأمريكية الذي تسارع في عهد ترامب تحت قيادة وزير خارجيته المطيع “ماركو روبيو”، إلى جانب الرفض المستمر لتقبل ما تفرضه الوقائع العسكرية، كلها عوامل تسهم في تحويل الصراعات التي تقودها الولايات المتحدة إلى مستنقعات عصية على الحل، وفي حالة ترامب، يمثل الغرور أيضًا عاملًا مؤثرًا.
إذ يبدو أنه يفضل مقتل آلاف المدنيين الإضافيين، والمخاطرة بارتكاب جرائم حرب، وإشعال “الشرق الأوسط”، وتدمير فرص الجمهوريين الانتخابية، على الاعتراف بأنه أخطأ بشأن إيران، ويكشف هذا السلوك المتطرف عن جانب آخر خبيث من ظاهرة الحرب الأبدية، وهو أن عبثيتها المطلقة تجعلها غير أخلاقية في جوهرها، ففي لا معقوليتها الصرفة، تتعارض مع شرائع الله والبشر، والحرب التي لا نهاية لها هي موت الأمل.
وبينما يتخبط ترامب بصورة محمومة في تعامله مع إيران، يبدو واضحًا أنه يدرك الهوة السحيقة التي تقف الولايات المتحدة على حافتها بسببه، لكنه لا يملك أي فكرة عن كيفية تجنب السقوط فيها، ففي يوم يتحدث عن المفاوضات، وفي اليوم التالي يشن هجمات عنيفة ودامية، وفي المقابل، يستغل المتشددون الإيرانيون، غير المكترثين بمعاناة شعبهم، هذا المأزق، ويزيدون الضغوط عبر توسيع هجمات الميليشيات الإقليمية، وتنفيذ ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ تثير الذعر في الاقتصاد العالمي.
وتائهًا في متاهة من الإنكار، يحاول ترامب عبثًا أن يقصف طريقه للخروج من الأزمة، بينما يتوق في الوقت نفسه إلى اتفاق يمكن تسويقه على أنه انتصار، لكن أياً من الخيارين لن ينجح، فقد أصبحت الكارثة الإيرانية المروعة بالفعل السمة التي تُعرّف رئاسة ترامب، أما البقعة الدموية، واللوم، والعار، فإنها، إن لم تستمر الحرب نفسها، فسوف تبقى إلى الأبد.
المصادر: الغارديان البريطانية