براءات الاختراع تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي

من الابتكار إلى الاحتكار

الرائد: لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على إنتاج السلع أو امتلاك الموارد الطبيعية، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى ميدان المعرفة والابتكار. وأصبحت براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية من أهم أدوات القوة الاقتصادية، لأنها تمنح أصحابها حقًا حصريًا في استثمار الابتكارات وتحويلها إلى منتجات وأسواق وعائدات مالية. ولهذا تتسابق الدول والشركات على تسجيل الاختراعات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والأدوية، والطاقة، والفضاء، والمواد المتقدمة.

وتعود فكرة حماية الاختراعات إلى أوروبا في القرن الخامس عشر، إلا أن النظام الدولي الحديث للملكية الفكرية تطور بصورة كبيرة مع اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية عام 1883، ثم مع إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) عام 1967، التي أصبحت المرجع الدولي لتنسيق أنظمة البراءات والعلامات التجارية وحقوق المؤلف.

ويرى إدموند فيلبس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أن الابتكار هو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي طويل الأجل، وأن الاقتصادات التي تشجع الإبداع وريادة الأعمال تحقق قدرة أكبر على المنافسة.

وتشير بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية إلى أن الصين والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا تتصدر الدول الأكثر نشاطًا في تسجيل براءات الاختراع، مع تزايد المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات الحيوية والتكنولوجيا الخضراء.

وقد شهدت الصين خلال العقدين الأخيرين نموًا سريعًا في عدد طلبات البراءات، مدعومًا باستثمارات كبيرة في البحث والتطوير والتعليم والصناعة. في المقابل، ما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بموقع ريادي في الابتكار بفضل جامعاتها، وشركاتها التقنية، ورأس المال المغامر الذي يمول الشركات الناشئة.

ويرى كارلوس مويدا، المفوض الأوروبي السابق للبحث والابتكار، أن التحدي لم يعد إنتاج المعرفة فقط، بل تحويلها بسرعة إلى منتجات وشركات قادرة على المنافسة عالميًا.

ولا تقتصر المنافسة على تسجيل البراءات، بل تمتد إلى النزاعات القانونية حول استخدامها. فقد شهدت السنوات الماضية دعاوى قضائية معقدة بين شركات التكنولوجيا والاتصالات حول براءات الهواتف الذكية، وشبكات الجيل الخامس، والرقائق الإلكترونية، ما يعكس القيمة الاقتصادية الضخمة لهذه الحقوق.

ويرى آدم جافي، أستاذ الاقتصاد في جامعة براندايس وأحد أبرز الباحثين في اقتصاد الابتكار، أن نظام البراءات يحقق توازنًا دقيقًا بين تشجيع الابتكار ونشر المعرفة، لكنه يحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة التطورات التقنية السريعة.

كما أصبحت براءات الاختراع جزءًا من المنافسة الجيوسياسية، إذ تسعى الدول إلى حماية التقنيات ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، وفرض قيود على نقل بعض التقنيات المتقدمة، خصوصًا في مجالات الرقائق الإلكترونية، والحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي.

وفي قطاع الأدوية، أثارت حقوق الملكية الفكرية نقاشات واسعة خلال جائحة كوفيد-19، حيث طالبت دول ومنظمات دولية بإيجاد توازن بين حماية الابتكار وضمان وصول الأدوية واللقاحات إلى الدول منخفضة الدخل.

وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) شكلت إطارًا عالميًا لحماية الابتكار، لكنها تظل محل نقاش مستمر بشأن كيفية التوفيق بين حقوق المبتكرين والاحتياجات الإنسانية.

كما أصبحت الجامعات ومراكز البحوث لاعبًا رئيسيًا في هذا المجال، إذ لم تعد تكتفي بالنشر العلمي، بل أصبحت تسعى إلى تسجيل براءات الاختراع وإنشاء شركات ناشئة لنقل نتائج الأبحاث إلى الأسواق.

ويتوقع خبراء المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن يتسارع تسجيل البراءات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة النظيفة، والحوسبة الكمية، مع اشتداد المنافسة بين الاقتصادات الكبرى.

ويجمع الباحثون على أن براءات الاختراع أصبحت أحد مؤشرات القوة الوطنية، لأنها تعكس قدرة الدول على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. وفي عالم يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، فإن من يمتلك الابتكار وحقوق استغلاله يمتلك أحد أهم مفاتيح النفوذ الاقتصادي في العقود القادمة.

المصادر:

المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO، منظمة التجارة العالمية WTO، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، جامعة براندايس، المفوضية الأوروبية، وكالة رويترز، فايننشال تايمز، بلومبرغ.