انتخابات نيبال ترسخ توازن الهند والصين

أكد: الائتلاف المقبل سيحدد نبرة العلاقة مع الجارتين

تستعد نيبال للتوجه إلى صناديق الاقتراع في الخامس من مارس، في أول انتخابات منذ الاحتجاجات العنيفة التي أطاحت بحكومة الزعيم اليساري كي بي شارما أولي قبل ستة أشهر. ورغم الحماسة الشعبية التي ترافق هذا الاستحقاق، تشير التقديرات إلى أن السياسة الخارجية للبلاد ستبقى محكومة بمنطق التوازن بين الهند والصين.

الانتفاضة التي قادها الشباب بدأت باعتراضات على قيود رقمية، لكنها سرعان ما تحولت إلى غضب واسع بسبب الفساد وتباطؤ الاقتصاد. وسقط عشرات القتلى خلال يومين من المواجهات، ما عجّل بسقوط الحكومة وفتح الباب أمام مشهد سياسي جديد.

مشهد سياسي مجزأ وائتلافات حتمية

يرى الصحفي النيبالي سودير شارما أن الانتخابات لن تمنح أي حزب أغلبية مريحة، مرجحاً استمرار نمط الحكومات الائتلافية. ويؤكد أن شكل الائتلاف المقبل هو الذي سيحدد نبرة العلاقة مع الجارتين، لا اتجاهها العام.

بحسب شارما، فإن “الأسس الاستراتيجية للعلاقة مع الهند والصين ثابتة، لكن أسلوب الإدارة قد يختلف تبعاً للقوة المهيمنة داخل الحكومة”. هذا يعني أن التغيير، إن حدث، سيكون تكتيكياً أكثر منه جذرياً.

عودة أولي المحتملة إلى السلطة تظل أحد السيناريوهات المطروحة، رغم أن فترته الأخيرة شهدت فتوراً مع نيودلهي بعد أن فضّل زيارة بكين أولاً عام 2024، في خطوة فسّرها البعض على أنها إشارة رمزية لإعادة تموضع سياسي.

الاقتصاد يفرض براغماتية دبلوماسية

تعتمد نيبال بشكل كبير على الهند اقتصادياً؛ فهي الشريك التجاري الأكبر، كما ترتبط معها بحدود مفتوحة وتداخل اجتماعي وثقافي عميق. ويصف الدبلوماسي الهندي المتقاعد راكيش سود العلاقة بأنها “شاملة ومتجذرة”، تمتد من التجارة والطاقة إلى حركة العمالة والسياحة.

في المقابل، عززت الصين حضورها عبر استثمارات في البنية التحتية، خصوصاً مشاريع النقل والمطارات والربط عبر جبال الهيمالايا. هذه الاستثمارات منحت كاتماندو هامشاً أوسع للمناورة، لكنها وضعتها أيضاً في قلب تنافس جيوسياسي حساس.

الخبير في شؤون جنوب آسيا مايكل كوجلمان يرى أن القيادة النيبالية، أياً كان لونها السياسي، تدرك أن الانحياز الكامل لأي طرف سيحمل كلفة اقتصادية باهظة. ويشير إلى أن “السياسة الواقعية تفرض الحفاظ على قنوات قوية مع القوتين معاً”.

صعود جيل جديد… تغيير داخلي لا خارجي

أبرز ما يميز هذه الانتخابات هو بروز مرشحين شباب خرجوا من رحم الاحتجاجات. هؤلاء يركزون على مكافحة الفساد، وتحسين الحوكمة، وخلق فرص عمل، أكثر من تركيزهم على إعادة رسم التحالفات الدولية.

كوجلمان يلفت إلى أن الجيل الجديد “ليس معادياً للصين، لكنه أكثر حساسية تجاه مسألة الشفافية والسيادة”. ومن هنا قد يظهر التغيير في طريقة إدارة المشاريع الكبرى، خصوصاً تلك الممولة خارجياً، عبر فرض معايير رقابة أوضح.

ويرى محللون أن أي تحول حقيقي سيظهر في قواعد تمويل المشروعات الضخمة، لا في إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية. فإذا التزمت حكومة شابة بمكافحة الفساد فعلياً، فقد تتشدد في شروط الاتفاقيات، سواء مع بكين أو نيودلهي.

سيناريوهات ما بعد الاقتراع

المؤشرات الحالية ترجح ولادة حكومة ائتلافية تجمع بين وجوه تقليدية وشخصيات صاعدة. هذا الخليط قد يحدّ من القرارات الحادة، ويعزز استمرار نهج “الحياد النشط” الذي اتبعته كاتماندو خلال السنوات الماضية.

تتوقع الأوساط الدبلوماسية أن تحافظ نيبال على خطاب متوازن، يطمئن الهند إلى استمرار الشراكة التاريخية، ويؤكد للصين انفتاح البلاد على الاستثمارات والمشاريع المشتركة.

في المحصلة، تبدو الانتخابات محطة لإعادة تشكيل الداخل السياسي أكثر من كونها نقطة تحول في موقع نيبال الإقليمي. فالجغرافيا تفرض على الدولة الجبلية المحصورة بين قوتين صاعدتين أن تتقن لعبة التوازن، مهما تغيرت الوجوه في كاتماندو.