الأمم المتحدة: مدينة الأبيض السودانية على أعتاب كارثة
مأساة جديدة تلوح في الأفق
- dr-naga
- 3 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الأبيض السودانية, الأمم المتحدة, الانتهاكات, حقوق الانسان
الرائد: تواجه مدينة الأبيض السودانية خطر كارثة حقوقية وإنسانية وشيكة، وسط تحذيرات أممية متصاعدة من فظائع تتهدد المدنيين المحاصرين وتدهور الوضع الميداني. يسلط هذا التحذير الضوء على انهيار مقومات الحياة وتفاقم الانتهاكات، مما يضع المدينة على حافة مأساة جديدة تضاف إلى الصراع السوداني.
أطلق فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، جرس إنذار دولي من قلب مقر مجلس حقوق الإنسان في جنيف، محذراً من أن “كارثة أخرى في حقوق الإنسان تتكشف الآن” في مدينة الأبيض السودانية المحاصرة.
وفي تصريح رسمي نقلته وكالة رويترز، كشف تورك أن المدنيين في عاصمة ولاية شمال كردفان يعيشون تحت ظروف تشبه الحصار المطبق منذ 18 شهراً متواصلاً، في ظل نقص كارثي في مياه الشرب النظيفة وغارات جوية متواصلة ومكثفة بطائرات مسيرة تحصد الأرواح وتدمر ما تبقى من بنية تحتية .
لماذا الأبيض؟
تكتسب مدينة الأبيض، المعروفة بـ”عروس الرمال”، أهمية استراتيجية بالغة تجعلها مفتاح السيطرة على غرب السودان بأكمله.
تاريخياً، أدرك العثمانيون أهمية الموقع الاستراتيجي للمدينة فأقاموا فيها ثكنتهم العسكرية، وشهدت معركة الأبيض الشهيرة عام 1821 واحدة من أهم المعارك في تاريخ السودان الحديث.
وتمتد المدينة بين بيئات صحراوية وشبه صحراوية ونطاقات مدارية جافة ورطبة، مما يمنحها تنوعاً جغرافياً فريداً .
استراتيجياً، تشكل الأبيض حلقة الوصل الحيوية بين وسط السودان وشماله بغربه، فضلاً عن احتوائها أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، مما يمنحها ثقلاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله .
وهذا ما يفسر، وفقاً للمحللين، سعي قوات الدعم السريع الحثيث للسيطرة عليها، حيث تعتبر المدينة نقطة انطلاق حاسمة لتأمين إقليم دارفور بالكامل والتوسع شرقاً نحو العاصمة الخرطوم .
نمط متكرر من الفظائع
ولم تقتصر مأساة الأبيض على الحصار الخانق، بل ترافقت مع توثيق تقارير مروعَة لعمليات إعدام ميداني بإجراءات موجزة، وحالات عنف جنسي ممنهج يُرتكب في محيط المدينة. وتأتي هذه الفظائع في وقت تشتعل فيه جبهات القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، في حرب مدمرة تجاوزت عامها الثالث منذ اندلاعها في أبريل 2023، محولةً مدينة الأبيض من مدينة سلمية إلى بؤرة نزاع دموية تعكس عجزاً دولياً فادحاً في حماية المدنيين .
ويشير تورك إلى أن ما يحدث في الأبيض ليس حالة معزولة، بل هو امتداد لنمط مروع من الانتهاكات، حيث سبق أن سقطت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في أكتوبر 2025 بعد حصار مماثل دام 18 شهراً، شهد مجاعة وقصفاً مكثفاً، وانتهى بهجوم عنيف أسفر عن فظائع جماعية .
هذا التكرار المقلق يشير إلى استراتيجية ممنهجة تعتمد على “التجويع والحصار كسلاح حرب”، وهو انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
الموقف الرسمي السوداني والدعوات الدولية
على الصعيد الدبلوماسي، تصاعدت المطالبات السودانية الرسمية بضرورة كبح جماح هذه الميليشيات، حيث حث وزير الخارجية السوداني المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة لوقف تدفق الأسلحة والذخائر إلى قوات الدعم السريع. ويرى دبلوماسيون ومراقبون في جنيف أن هذا التحذير الأممي ليس مجرد رصد لأحداث، بل هو اتهام ضمني لتقصير المجتمع الدولي في فرض حظر سلاح فعال، مما يمنح الأطراف المتحاربة غطاءً لمواصلة انتهاكاتها دون رادع.
وفي هذا السياق، يعلق الباحث في الشؤون الأفريقية الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، بأن “الاستراتيجية العسكرية لقوات الدعم السريع تعتمد على تطويق المدن الرئيسية وإخضاعها لحصار طويل يستنزف قدرات الجيش السوداني ويدفع السكان المدنيين نحو المجاعة، وهو ما حدث في الفاشر ويتكرر الآن في الأبيض.
ويضيف أن “الصمت الدولي أو الاكتفاء بالبيانات الصحفية يمنح قوات الدعم السريع الثقة لمواصلة عملياتها العسكرية في شمال كردفان، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من أرواحهم وصحتهم”.
التحليل القانوني والإنساني
من الناحية القانونية، يشير خبراء في مراقبة النزاعات الأفريقية إلى أن الحصار المطبق على الأبيض منذ 18 شهراً يُعد جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يحظر تجويع المدنيين كوسيلة للحرب. وتؤكد منظمات حقوقية أن توثيق عمليات الإعدام الميداني والعنف الجنسي يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية دولية، لكن غياب الإرادة السياسية يظل العائق الأكبر.
وفي تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، حذر تورك من أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان ازداد بأكثر من الضعف خلال عام 2025، مما يعكس تصاعداً خطيراً في وتيرة العنف واستهداف المدنيين بشكل متعمد.
هذا التصعيد يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تتطلب تحركاً فورياً يتجاوز الإدانات الشفهية.
التوقعات المستقبلية
وفي الختام، يظل السؤال المطروح حول ما إذا كانت التحذيرات الأممية المتتالية من كارثة الأبيض ستترجم إلى ضغط سياسي واقتصادي حقيقي لوقف إراقة الدماء، أم أنها ستُطوى في أدراج مجلس حقوق الإنسان كما حدث في ملفات سابقة. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لرفع الحصار ووقف تدفق الأسلحة، فإن الأبيض قد تشهد انهياراً إنسانياً كاملاً مشابهاً لما حدث في الفاشر، مما يعمق من جراح السودان الذي يئن بالفعل تحت أثقل أزمة إنسانية في العالم.
ويحذر المحلل السياسي السوداني الدكتور عبد الله فضل الله من أن “سقوط الأبيض سيمثل نقطة تحول كارثية في مجريات الحرب، حيث سيمكن قوات الدعم السريع من السيطرة على كامل إقليم كردفان، وبالتالي تطويق العاصمة الخرطوم من ثلاث جهات” .
وهذا السيناريو الكارثي يجعل من الضروري تحركاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ما تبقى من المدن السودانية قبل فوات الأوان.
المصادر:
– وكالة رويترز، تقرير من جنيف بتاريخ 3 يوليو حول تحذيرات فولكر تورك من كارثة حقوق الإنسان في الأبيض.
– مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، البيان الرسمي الصادر عن المفوض السامي حول الوضع في السودان [[13]].
– الجزيرة نت، موسوعة المدن السودانية – مدينة الأبيض “عروس الرمال” [[5]].
– العربي الجديد، تقرير حول الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض السودانية [[1]].
– الشرق الأوسط، تقرير حول حصار الأبيض والتهديد بسقوطها في يد قوات الدعم السريع [[16]].
– مونت كارلو الدولية، تقرير حول تحذيرات الأمم المتحدة من كارثة جديدة في السودان [[13]].
– ويكيبيديا، مقالة حول حصار الأبيض وتاريخ المدينة [[2]].
– تصريحات وزير الخارجية السوداني المطالبة بوقف تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع.
– تقارير ميدانية وحقوقية حول الحصار المستمر لمدينة الأبيض منذ 18 شهراً واستهداف المدنيين بالطائرات المسيرة [[11]].

مجموعة السبع تحث على وقف الهجمات في مدينة الأبيض السودانية - أخبار الرائد
[…] الرائد| حث وزراء خارجية مجموعة السبع ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، يوم الأربعاء، قوات الدعم السريع السودانية والجماعات المسلحة المتحالفة معها على وقف جميع الأعمال التي قد تؤدي إلى مزيد من الفظائع أو تعرض المدنيين للخطر في مدينة الأبيض. […]