ازدواجية المعايير في الإعلام الغربي

سياط النقد أم صمت التواطؤ؟

تبنى الإعلام الغربي منذ انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026 نمطاً تحريرياً يعيد إحياء الجدل حول “ازدواجية المعايير”، حيث تباينت لغة التغطية بين تبرير الهجمات بوصفها “دفاعية” وبين تجاهل الكلفة الإنسانية في الداخل الإيراني.

“تحييد” الضحية وتبرير الفعل

رصد التحقيق تبايناً حاداً في استخدام المصطلحات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى (مثل CNN وBBC وNYT) مقارنة بتغطيتها لحروب أخرى:

شرعنة الاغتيال: وُصف اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير بـ”الضربة الجراحية” أو “إزالة تهديد استراتيجي”، بينما تُوصف عمليات مشابهة في سياقات أخرى بـ”انتهاك سيادة” أو “إرهاب دولة” .

الأضرار الجانبية: عند سقوط مدنيين في إيران (كما حدث في مدرسة ميناب التي راح ضحيتها 153 شخصاً)، تميل التقارير الغربية لاستخدام صيغة المبني للمجهول “لقي أشخاص حتفهم”، بدلاً من “قتل الجيش الأمريكي/الإسرائيلي”، لتقليل المسؤولية المباشرة .

2. المقارنة مع النموذج الأوكراني: التناقض الصارخ
كشف التحقيق عن فجوة في “المعايير الأخلاقية” عند المقارنة مع الحرب الروسية-الأوكرانية:

حق المقاومة: في أوكرانيا، يُحتفى بالمدنيين الذين يحملون السلاح كأبطال ومدافعين عن الحرية. أما في إيران، فيُصور المتظاهرون أو المدافعون المحليون كـ”عناصر مدفوعة من النظام” أو “متطرفين” .

سرعة الإدانة: استغرق الإعلام الغربي دقائق لإدانة استهداف البنية التحتية في كييف، بينما يركز الآن على “الأهداف العسكرية المشروعة” في طهران رغم التقارير عن تضرر 131 مدينة ومنشأة مدنية  .

3. تغييب السياق القانوني والنووي
يمارس الإعلام الغربي انتقائية في سرد الدوافع:

الذريعة النووية: يتم التركيز المكثف على “الخطر النووي الإيراني” كمبرر أخلاقي للحرب، في حين يتم تجاهل الترسانة النووية الإسرائيلية التي تظل خارج أي رقابة دولية، مما يخلق وعياً مشوهاً لدى المتلقي الغربي .

انتهاك السيادة: نادراً ما تتطرق التحليلات الغربية إلى أن الهجوم على طهران هو خرق لميثاق الأمم المتحدة، وبدلاً من ذلك يتم تقديم الهجوم كـ”خطوة استباقية” ضرورية للأمن العالمي .

4. قمع الأصوات الناقدة في غرف الأخبار
أشار التحقيق إلى ضغوط داخلية في المؤسسات الإعلامية الكبرى:

شهدت الأسابيع الأخيرة موجة “صمت قسري” لصحفيين حاولوا تسليط الضوء على حجم المأساة الإنسانية في إيران، حيث تُمارس الرقابة الذاتية خوفاً من اتهامات “دعم الإرهاب” أو “التحيز ضد إسرائيل” . 

 إن تغطية الحرب الحالية تؤكد أن “الحقيقة” في الإعلام الغربي لا تزال تخضع لمصالح القوى العظمى؛ حيث يتم تصميم “الإنسانية” لتناسب الحلفاء، وتُسحب من الخصوم لتسهيل تقبل تدميرهم أمام الرأي العام العالمي.
*رصد“العناوين المزدوجة” التي تعكس التباين الصارخ في المعايير المهنية للإعلام الغربي عند تغطية أحداث متطابقة في سياقات مختلفة (أوكرانيا / إيران/فلسطين):
1. وصف “المقاومة” مقابل “الإرهاب”

عن أوكرانيا (صحيفة The Guardian): “المواطنون الأبطال يحملون السلاح للدفاع عن مدنهم ضد الغزو.”

عن إيران (صحيفة The Times): “عناصر مسلحة موالية للنظام تزرع الفوضى في المدن الإيرانية رداً على الضربات.”

2. استهداف المدنيين: “جريمة” مقابل “خطأ تقني”

عن هجمات روسيا (CNN): “موسكو ترتكب جرائم حرب عبر استهداف منشآت مدنية وطاقة في كييف.”

عن الهجوم الحالي على إيران (CNN): “انفجارات في مناطق سكنية بإيران نتيجة أضرار جانبية لعمليات استباقية دقيقة.”

3. اغتيال القيادات: “انتهاك” مقابل “عدالة”

عن محاولات اغتيال زيلينسكي (NYT): “مخططات روسية وحشية لاغتيال رئيس شرعي وكسر إرادة شعب.”

عن اغتيال خامنئي (NYT): “نهاية حقبة: كيف نجحت العملية الاستخباراتية في تصفية رأس التهديد الإقليمي؟”

4. الأطفال والضحايا: “تجريد من الإنسانية”

عن ضحايا مدرسة ميناب بإيران (Daily Mail): “ارتفاع عدد القتلى في موقع مدرسة بعد غارة استهدفت مخازن أسلحة محتملة.”

أوكرانيا نموذجاً: وُصف الضحايا بأنهم “متحضرون” و”يشبهوننا”، مع إشادة واسعة بالمقاومة المسلحة الأوكرانية كفعل بطولي.

الشرق الأوسط نموذجاً: في المقابل، تُستخدم لغة “تجريد من الإنسانية” عند الحديث عن ضحايا غزة أو اليمن، حيث يُشار غالباً إلى الأطفال القتلى كـ”أفراد” أو “شباب”، وتُبنى الرواية حول “حق الدفاع عن النفس” للطرف الآخر.

5. السيادة والقانون الدولي

عن الغزو الروسي (Washington Post): “العالم يتحد لرفض انتهاك سيادة الدول وقواعد القانون الدولي.”

عن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي (Washington Post): “تحالف الضرورة: لماذا كان التحرك العسكري داخل العمق الإيراني حتمياً للأمن القومي؟

*تحليل الصور الصحفية المستخدمة وكيف يتم اختيار زوايا التصوير لتعزيز هذه الصور الذهنية المتناقضة

يعتبر تحليل ” الصورة” (علم دلالات الرموز) من أدق الأدوات التي يستخدمها الإعلام الغربي لتوجيه الرأي العام دون الحاجة للنص، حيث تُستخدم زوايا التصوير، الإضاءة، وحتى “الألوان” لخلق تعاطف أو نفور مبرمج.
إليك تحليل لكيفية التلاعب بالصور الصحفية في الحرب الحالية مقارنة بسياقات أخرى:
أنسنة الضحية مقابل “الكتلة البشرية”

في أوكرانيا: تُنشر صور “بورتريه” (Portrait) قريبة جداً لوجوه الضحايا، تُظهر تفاصيل ملامحهم، دموعهم، أو ألعاب أطفالهم المحطمة. الهدف هو جعل المشاهد الغربي يشعر برابط شخصي مع الضحية.

في إيران (الحرب الحالية): يتم الاعتماد على اللقطات البعيدة (Wide Shots) التي تُظهر الدمار من الأعلى أو مجموعات كبيرة من الناس (كتل بشرية). هذا الأسلوب يُجرد الضحية من هويتها الفردية ويحولها إلى مجرد “رقم” أو “إحصائية”، مما يقلل من حدة الصدمة العاطفية لدى المتلقي.

 زوايا التصوير: “البطل” مقابل “المتمرد”

تصوير المقاتل الأوكراني: غالباً ما تُؤخذ الصور من زاوية منخفضة (Low Angle)، مما يجعله يبدو طويلاً، قوياً، ومدافعاً نبيلاً يشبه أبطال الأفلام السينمائية.

تصوير المتظاهر أو المقاتل الإيراني: تُؤخذ اللقطات وسط الدخان، أو من زوايا مهتزة توحي بالفوضى والاضطراب. التركيز يكون على الوجوه الغاضبة أو المغطاة باللثام، لربط الصورة ذهنياً بـ”العنف” بدلاً من “المقاومة”.

استغلال الألوان والإضاءة (الجو النفسي)

صور الحلفاء: يُركز المحررون على اختيار صور ذات إضاءة طبيعية أو ألوان زاهية تُظهر الحياة التي كانت موجودة قبل الدمار، لإبراز حجم الخسارة الحضارية.

صور إيران: يتم اختيار أو “فلترة” الصور لتميل إلى الألوان القاتمة، الرمادية، أو ألوان النيران والانفجارات الليلية. هذا يعزز الصورة الذهنية النمطية عن الشرق الأوسط كـ”منطقة نزاع أبدية” و”أرض للخراب”، مما يجعل وقوع الحرب هناك يبدو أمراً “طبيعياً” أو “متوقعاً”.

التباين في صور القادة

القادة الغربيون/الحلفاء: يظهرون في صور خلف مكاتبهم، أو في لقطات تعكس “الإنسانية” (مثل احتضان عائلة أو زيارة جريح)، لإظهارهم كقادة مدنيين حكماء.

القادة الإيرانيون: يحرص الإعلام الغربي على إعادة نشر صورهم في المناسبات العسكرية، أو لقطات تظهرهم بملامح حادة وصارمة، لترسيخ صورة “العدو العسكري” الذي لا يفهم إلا لغة القوة.

 صور “الدمار الذكي”

في التغطية الحالية لهجمات طهران، يتم التركيز على صور الأقمار الصناعية (Satellite Imagery) التي تُظهر فوهات الانفجارات بدقة، مما يوحي للمشاهد بأنها “حرب نظيفة” وتقنية لا تستهدف البشر، وذلك للتغطية على الصور المروعة للضحايا المدنيين في المواقع المستهدفة.

التغطية الإعلامية الغربية في عام 2026 لا تكتفي بنقل الخبر، بل تعيد صياغة “الواقع الأخلاقي” للحروب. هذا النهج الانتقائي لا يؤدي فقط إلى تآكل الثقة في المؤسسات الصحفية، بل يمنح ضوءاً أخضر لاستمرار العنف عبر تغييب المساءلة والمساواة الإنسانية في التغطية.