إيطاليا تحت الضغط بسبب «نموذج ألبانيا» للمهاجرين
منظمة العفو تحذر من تحويل احتجاز طالبي اللجوء خارج أوروبا إلى سياسة أوروبية
- محمود الشاذلي
- 20 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إيطاليا تحت الضغط, ملف الهجرة, نموذج ألبانيا» للمهاجرين
تصاعد الجدل حول سياسة إيطاليا في إدارة ملف الهجرة، بعد انتقادات جديدة وجهتها منظمة العفو الدولية إلى الاتفاق الإيطالي-الألباني، محذرة من أن التجربة تكشف مخاطر جدية على حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء، وقد تتحول إلى سابقة تشجع دولًا أوروبية أخرى على نقل إجراءات اللجوء والاحتجاز إلى خارج أراضي الاتحاد الأوروبي.
وقالت منظمة العفو الدولية في بيان نشرته في 20 أغسطس 2026 إن ما وصفته بـ«الاتفاق الخارجي» بين إيطاليا وألبانيا يجب أن يمثل «جرس إنذار» أمام خطط الاتحاد الأوروبي الرامية إلى توسيع نطاق التعاون مع دول ثالثة في إدارة الهجرة واللجوء. وترى المنظمة أن نقل الأشخاص إلى منشآت خارج أراضي الدولة الأوروبية التي يفترض أن توفر لهم الحماية يثير أسئلة جوهرية بشأن الحرية والأمان والوصول الفعال إلى إجراءات اللجوء والضمانات القضائية.
من «النموذج الإيطالي» إلى سياسة أوروبية محتملة
أبرمت روما وتيرانا في نوفمبر 2023 اتفاقًا لإنشاء مراكز في ألبانيا تتولى إيطاليا إدارتها، بهدف استقبال أشخاص يتم إنقاذهم أو اعتراضهم في البحر ونقل بعضهم إلى تلك المنشآت لإجراء فحوص الهوية ومعالجة طلبات الحماية وفق إجراءات حدودية سريعة.
وكانت الحكومة الإيطالية قد قدمت الاتفاق باعتباره أداة للحد من الهجرة غير النظامية وتسريع إجراءات اللجوء والعودة، بينما حذرت منظمات حقوقية منذ البداية من أن نقل طالبي الحماية إلى خارج الأراضي الإيطالية قد يخلق صعوبات تتعلق بالوصول إلى المحامين والقضاء والضمانات القانونية.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية هذه المخاوف قبل بدء تشغيل المراكز، محذرة من خطر الاحتجاز التلقائي أو التعسفي ومن احتمال تقييد الوصول الفعال إلى إجراءات اللجوء.
لكن التجربة لم تتطور بالطريقة التي تصورها أنصارها في البداية.
تجربة اصطدمت بالقضاء
واجه تنفيذ الاتفاق عقبات قانونية منذ مراحله الأولى. فبعد نقل مجموعات من المهاجرين إلى ألبانيا، رفضت محاكم إيطالية في عدد من الحالات المصادقة على أوامر الاحتجاز، وأحالت مسائل قانونية إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي.
وبحسب قاعدة بيانات معلومات اللجوء الأوروبية، جرى نقل عشرات الأشخاص إلى المراكز الألبانية خلال المرحلة الأولى، لكن أوامر احتجازهم لم تحصل على المصادقة القضائية المطلوبة، ما أدى إلى إعادتهم إلى إيطاليا.
وأدى ذلك إلى إعادة صياغة وظيفة منشأة غيادير لاحقًا، لتتحول إلى مركز احتجاز ما قبل الترحيل للمهاجرين غير النظاميين الموجودين أصلًا في إيطاليا والمنتظرين لإعادتهم إلى بلدانهم.
وهكذا أصبح «نموذج ألبانيا» أكثر تعقيدًا من مجرد نقل طالبي لجوء لمعالجة طلباتهم؛ إذ بات يشمل أيضًا استخدام منشأة خارج الأراضي الإيطالية في سياق احتجاز أشخاص تمهيدًا لترحيلهم.
المعركة القانونية لم تنتهِ
دخل الملف في 2026 مرحلة قانونية جديدة مع تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء في 12 يونيو.
وفي يونيو، قالت المستشارة العامة لمحكمة العدل الأوروبية، في رأي قانوني بشأن البروتوكول الإيطالي-الألباني، إن دول الاتحاد الأوروبي يمكنها من حيث المبدأ إقامة مراكز للمهاجرين خارج أراضي الاتحاد، لكن ذلك لا يعفيها من الالتزام بضمانات قانون اللجوء الأوروبي.
وحذرت من أن بعض القواعد الإيطالية المتعلقة بالنموذج الألباني لا تبدو واضحة بما يكفي لضمان جميع الحقوق التي يكفلها قانون الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الحق في الدفاع، واحترام الحياة الخاصة والأسرية، وضمانات الإفراج عند انتهاء المدة القانونية للاحتجاز. وكانت المحكمة تنتظر إصدار حكمها النهائي في القضية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأنها تتجاوز الحالة الإيطالية إلى سؤال أوسع: هل تستطيع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي نقل الأشخاص إلى دولة ثالثة مع الاحتفاظ بالمسؤولية الكاملة عن حقوقهم القانونية؟
منظمة العفو: الخطر ليس في المكان فقط
ترى منظمة العفو الدولية أن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بكون المنشآت موجودة في ألبانيا، وإنما بالمبدأ الذي قد ينتج عن النموذج إذا تحول إلى سياسة اعتيادية.
فإذا أصبحت الدول الأوروبية قادرة على نقل طالبي اللجوء والمهاجرين إلى دول خارج الاتحاد لمعالجة طلباتهم أو احتجازهم، فقد تتسع تدريجيًا سياسة «إخراج» ملف الهجرة من المجال الأوروبي، بدل معالجة جذور الأزمة داخل منظومة اللجوء الأوروبية نفسها.
وفي تقييم سابق للاتفاق، قالت المنظمة إن النموذج الإيطالي-الألباني يمثل جزءًا من اتجاه أوسع نحو «إضفاء الطابع الخارجي» على مراقبة الحدود وإجراءات اللجوء، محذرة من تأثير ذلك على حقوق اللاجئين والمهاجرين.
بروكسل تبحث عن حلول خارج الحدود
تأتي هذه التجربة في وقت يبحث فيه الاتحاد الأوروبي عن وسائل جديدة للحد من الهجرة غير النظامية وتسريع عمليات إعادة الأشخاص الذين لا يحق لهم البقاء.
ويأتي تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء في يونيو 2026 ليضيف إطارًا قانونيًا جديدًا لإجراءات الحدود، بما في ذلك آليات أسرع للتعامل مع بعض طلبات اللجوء عند الحدود.
كما شهدت إيطاليا في أغسطس توسيع نطاق المناطق التي يمكن تطبيق إجراءات الحدود فيها، بما يسمح بتفعيل الإجراءات المعجلة في عدد أكبر من نقاط الحدود والمناطق المحددة.
وبذلك لم تعد تجربة ألبانيا منفصلة عن السياسة الأوروبية، بل أصبحت جزءًا من نقاش أكبر حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الحدود والالتزامات القانونية تجاه طالبي اللجوء.
بين الردع وحقوق الإنسان
تدافع الحكومة الإيطالية عن سياستها باعتبارها جزءًا من استراتيجية أكثر صرامة لمواجهة شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية، وتعتبر أن التعاون مع دول ثالثة يمكن أن يساعد في تسريع إجراءات اللجوء والعودة وتقليل الضغط على مراكز الاستقبال داخل إيطاليا.
لكن المنظمات الحقوقية ترد بأن نجاح أي سياسة للهجرة لا يمكن قياسه فقط بعدد الأشخاص الذين تمنعهم من الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
فالمعيار الآخر هو: هل يحصل الأشخاص الذين يطلبون الحماية على فرصة حقيقية لعرض قضيتهم؟ وهل يستطيعون الوصول إلى محامٍ وقاضٍ؟ وهل يخضع الاحتجاز لمراجعة فردية وفعالة؟
وتشير قاعدة بيانات معلومات اللجوء الأوروبية إلى استمرار المخاوف المتعلقة باستخدام الاحتجاز والقيود على حرية الحركة في سياق إجراءات الحدود الإيطالية، في وقت اتسع فيه استخدام مرافق الاحتجاز خلال الفترة الأخيرة.
هل يتحول «نموذج ألبانيا» إلى سابقة؟
تكمن أهمية التجربة في أنها تأتي في لحظة تبحث فيها الحكومات الأوروبية عن أدوات جديدة للسيطرة على الحدود، تحت ضغط الرأي العام والأحزاب اليمينية وتصاعد الهجرة غير النظامية.
وإذا نجحت إيطاليا في إثبات أن نقل الأشخاص إلى مراكز خارج أراضيها يمكن أن يتم مع ضمان كامل للحقوق وإجراءات قضائية فعالة، فقد يشجع ذلك دولًا أوروبية أخرى على تبني ترتيبات مماثلة.
أما إذا استمرت الطعون القضائية والمخاوف المتعلقة بالاحتجاز والوصول إلى العدالة، فقد يتحول النموذج إلى مثال على صعوبة الجمع بين الردع الخارجي والالتزام الكامل بقواعد اللجوء الأوروبية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية تحذير منظمة العفو الدولية: القضية ليست فقط في عدد الأشخاص الذين يصلون إلى إيطاليا، وإنما في الحدود القانونية والأخلاقية التي يمكن للدول الأوروبية تجاوزها أثناء محاولتها السيطرة على الهجرة.
تكشف تجربة إيطاليا وألبانيا عن تحول أوسع في طريقة تعامل أوروبا مع ملف الهجرة. فبدل الاكتفاء بتشديد الرقابة على الحدود، تتجه بعض الحكومات إلى نقل جزء من إجراءات الاحتجاز أو معالجة طلبات اللجوء إلى خارج أراضي الاتحاد الأوروبي.
لكن هذا التحول يصطدم بسؤال قانوني جوهري: هل يمكن نقل المكان دون نقل المسؤولية؟
الإجابة التي تقدمها المنظمات الحقوقية والمحاكم الأوروبية حتى الآن تميل إلى أن المسؤولية لا تختفي بمجرد نقل الأشخاص إلى دولة ثالثة.
وبالنسبة إلى إيطاليا، فإن نجاح «نموذج ألبانيا» لن يتحدد فقط بقدرته على ردع الهجرة غير النظامية، وإنما بمدى قدرته على العمل داخل الإطار القانوني الأوروبي، وضمان حقوق الأشخاص المحتجزين، وتوفير رقابة قضائية فعالة.
أما على المستوى الأوروبي، فقد تتحول التجربة إلى نقطة فاصلة في صياغة سياسة الهجرة خلال السنوات المقبلة: إما أن تصبح نموذجًا قابلًا للتوسع مع ضمانات قانونية واضحة، أو تتحول إلى تحذير من أن محاولة إخراج الهجرة من أوروبا قد تنقل المشكلة جغرافيًا من دون أن تحلها قانونيًا أو إنسانيًا.