تكنولوجيا “النانو” تدمر الخلايا الخبيثة من الداخل

ثورة النانو في مواجهة الأورام

في الوقت الذي بقيت فيه علاجات السرطان التقليدية أشبه بمحاولات إطفاء الحرائق بوسائل عشوائية تؤذي السليم قبل السقيم، يلوح في أفق الطب الحديث أمل ثوري تقوده “جيوش نانوية” لا تُرى بالعين المجردة. إنها تقنية الجسيمات النانوية، التي أعادت صياغة قواعد المعركة ضد الأورام الخبيثة؛ فتحولت من حرب استنزاف شاملة للجسم البشري، إلى ضربات موجهة بدقة متناهية.

من خلال هذه التكنولوجيا الذكية، لم يعد الدواء مجرد مادة كيميائية تسري في الدماء، بل تحول إلى قذائف موجهة تتعرف على الخلايا السرطانية وتخترق حصونها لتدميرها من الداخل، معلنةً بذلك بداية عصر جديد يتكامل فيه التشخيص المبكر والعلاج الموضعي تحت مظلة الطب الدقيق.

نشرت مجلة «وايرد» تجربة بحثية جديدة طوّر فيها علماء من جامعة أديلايد جسيمات نانوية مصممة لتوصيل مادة وراثية إلى الخلايا الموجودة داخل الأورام بصورة أكثر استهدافًا.

وتقوم الفكرة على استخدام الحمض النووي الريبي الرسول، أو «إم آر إن إيه»، لتغيير البيئة المناعية المحيطة بالورم.

فالورم لا يعتمد فقط على قدرته على الانقسام، بل يستطيع أيضًا التأثير في الخلايا المناعية المحيطة به وجعلها أقل قدرة على مهاجمته.

وقد صمم الباحثون جسيمات نانوية تحمل تعليمات لإنتاج مادة تسمى «سي إكس سي إل 9»، وهي مادة يمكن أن تساعد في جذب الخلايا التائية إلى موقع الورم، مع استهداف نوع من الخلايا المناعية التي توجد داخل الأورام وتساعد أحيانًا في تثبيط الاستجابة المناعية.

كما حملت الجسيمات مادة أخرى تهدف إلى تنشيط المناعة، ما يعني أن العلاج يحاول معالجة البيئة المحيطة بالورم بدل الاكتفاء بمهاجمة الخلايا السرطانية بصورة مباشرة.

وفي التجارب المخبرية ونماذج الفئران المصابة بسرطان الثدي العدواني، أدى العلاج إلى زيادة مؤشرات النشاط المناعي وإبطاء نمو الأورام.

لكن النتائج لا تعني أن العلاج أصبح جاهزًا للبشر. فقد أجريت التجارب حتى الآن في المختبر وعلى نماذج حيوانية، وهو ما يعني أن هناك مراحل طويلة من اختبار السلامة والجرعات والفعالية قبل التفكير في تجارب سريرية واسعة.

والجانب المثير في هذه الدراسة هو اتجاهها إلى إعادة تشكيل البيئة المناعية للورم. فبعض العلاجات المناعية الحالية تنجح لدى بعض المرضى لكنها لا تعمل بصورة متساوية لدى الجميع، ويرجع أحد الأسباب إلى اختلاف البيئة المحيطة بالأورام.

وتشير الدراسة إلى أن الجسيمات النانوية يمكن أن توفر وسيلة أكثر دقة لإيصال المواد العلاجية إلى المكان المطلوب، بما قد يقلل تعرض الأنسجة السليمة للدواء.

لكن الطريق إلى العلاج البشري لا يزال طويلًا، والنتائج الحيوانية لا تضمن نجاحًا مماثلًا لدى الإنسان. ولهذا فإن أهمية البحث الحالية تكمن في إثبات إمكانية تغيير البيئة المناعية للورم بطريقة موجهة، وليس في الإعلان عن علاج نهائي للسرطان.

المصدر: مجلة وايرد، 16 سبتمبر 2026، استنادًا إلى الدراسة المنشورة في ساينس أدفانسز.

المصادر الأصلية وروابطها: مجلة نيتشر، فايننشال تايمز، بوبيلر ميكانيكس، وايرد، أسوشيتد برس وبي بي إس.