إنفاق بالمليارات وإيرادات أقل..هل تقلب النماذج الأرخص معادلة الذكاء الاصطناعي؟

إعادة رسم المعادلة بين كلفة التطوير وحجم الطلب

يدخل سباق الذكاء الاصطناعي مرحلة تبدو متناقضة في جوهرها، فبينما تتسارع قدرات النماذج إلى مستويات غير مسبوقة، تتراجع تكلفة تشغيلها بصورة حادة، في تحول قد يمنح أكبر مختبرات التقنية فرصة نادرة للخروج من سباق إنفاق، لا يبدو له سقف، ويرى خبراء، أن الجمع بين ماذج أكثر قوة وأقل تكلفة، قد يفتح الطريق أمام إبطاء وتيرة التطوير، من دون التخلي عن الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

معضلة الإنفاق..

تواجه شركات مثل «OpenAI-أوبن أيه آي» و«Anthropic-انثروبيك» تحديًا ماليًا متزايدًا، إذ تنفق مبالغ ضخمة على تطوير النماذج، وتوفير القدرة الحوسبية اللازمة لتدريبها، بينما لا تزال “الإيرادات” بعيدة عن مواكبة حجم الإنفاق، ويفرض استمرار السباق نحو «أحدث مستويات قدرات الذكاء الاصطناعي» على الشركات، مواصلة التطوير بوتيرة متسارعة، خشية أن يمنح أي تباطؤ منافسيها فرصة للتقدم.

وتزداد الضغوط مع تصاعد المخاوف المتعلقة بالسلامة، بعد حوادث تورطت فيها «وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents)» وتمكنت من اختراق أنظمة خارجية، وأبدى مسؤولون تنفيذيون في شركات كبرى، رغبة في تهدئة وتيرة التطوير، لكن تحقيق ذلك يتطلب أولًا، نموذجًا ماليًا يجعل التباطؤ ممكنًا.

ولا يعني خفض الإنفاق على تطوير النماذج، التخلي عن الاستثمار في “البنية التحتية”، فارتفاع الطلب على استخدام الذكاء الاصطناعي، سيُبقي الحاجة قائمة إلى “مراكز البيانات”، و”القدرات الحوسبية” و”تحديث شبكات الكهرباء”، حتى مع تباطؤ سباق بناء نماذج جديدة.

اقتصاد التوكنات..

لفهم هذه المعادلة، يجب أولًا توضيح معنى «الرمز» أو «التوكن» (Token)، وهو وحدة صغيرة يعالج بها نموذج الذكاء الاصطناعي النصوص، سواء تلك التي يدخلها المستخدم أو التي ينتجها النموذج في إجاباته، ولا يساوي التوكن بالضرورة كلمة كاملة؛ فقد يكون كلمة أو جزءًا منها أو علامة ترقيم، ولذلك تستخدم شركات الذكاء الاصطناعي عدد التوكنات بوصفه مقياسًا لحجم استخدام نماذجها، وتحدد في كثير من الحالات تكلفة خدماتها وفق عدد التوكنات التي تتم معالجتها.

وتختلف الأدوار هنا بين “مختبر الذكاء الاصطناعي” الذي يطور النموذج ويتحمل تكاليف تدريبه وتشغيله، وبين “المطور أو الشركة التي تستخدم النموذج”، عبر «واجهة برمجة التطبيقات» (API)، لدمجه في تطبيق أو خدمة خاصة بها، فعندما يرسل تطبيق ما، ملايين النصوص إلى نموذج ذكاء اصطناعي، تدفع “الشركة المطورة” لـ”مختبر أو شركة الذكاء الاصطناعي” مقابل حجم الاستخدام، ويُقاس هذا الاستخدام إلى حد كبير بعدد التوكنات المعالجة.

على سبيل المثال، لفهم المعادلة اقتصاديًا.. إذا كانت الشركة تتقاضى (10 دولارات) مقابل كل (مليون توكن)، ثم خفضت السعر إلى (5 دولارات)، فقد تبدو الخطوة للوهلة الأولى وكأنها تضغط على الإيرادات، لكن إذا أدى خفض السعر إلى ارتفاع الاستخدام من (100 مليون) إلى (مليار توكن)، فإن الإيرادات ترتفع من (1000 دولار) إلى (5000 دولار)، أي أن الشركة باعت وحدة الاستخدام بسعر أقل، لكنها باعت عددًا أكبر بكثير من الوحدات.

وتزداد أهمية هذه المعادلة، عندما تنخفض تكلفة تشغيل النموذج نفسه بفضل تحسين كفاءة البرمجيات والرقائق والبنية التحتية، ففي هذه الحالة، تستطيع الشركة خفض السعر للمستخدمين من دون أن تتراجع هوامشها بالضرورة بنفس النسبة، لأن «تكلفة معالجة كل توكن تكون قد انخفضت أيضًا»، وبذلك يتحول خفض الأسعار من مجرد تنازل عن الإيرادات، إلى استراتيجية لتوسيع السوق وزيادة حجم الاستخدام.

معادلة الأسعار..

برز خلال الأيام الأخيرة اتجاه لافت، تمثل في إطلاق نماذج أكثر كفاءة وأقل تكلفة مع الحفاظ على مستويات متقدمة من الأداء، وأكدت شركات مثل «OpenAI» و«Anthropic»، انخفاض تكاليف نماذجها الجديدة، فيما اتجهت نماذج صينية، بينها «DeepSeek»، إلى المسار نفسه، وقفز استخدام نموذج «DeepSeek V4.1 Flash» بنسبة (172%) خلال أسبوع، ليتصدر ترتيب، «OpenRouter-أوبن راوتر»، وهي منصة أميركية للذكاء الاصطناعي، تعمل كوسيط يتيح للمستخدمين والمطورين الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي متعددة من شركات مختلفة عبر واجهة واحدة.

لكن خفض الأسعار لا يرتبط بالسلامة وحدها، إذ تشير «Citadel Securities-سيتادل سيكيوريتيز»، وهي شركة أميركية للخدمات المالية وصناعة السوق، إلى أن انخفاض تكلفة كل رمز (Token)، قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في حجم الاستخدام، بما يرفع إجمالي الإنفاق على خدمات الذكاء الاصطناعي، ويمنح المختبرات فرصة لتحقيق أرباح أكبر رغم تراجع الأسعار.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية.. قد لا يكون الطريق إلى تهدئة سباق الذكاء الاصطناعي، هو «تقليص الطلب»، بل جعل الذكاء الاصطناعي أرخص بما يكفي، ليتحول «انخفاض التكلفة»، إلى «مصدر لنمو الاستخدام والإيرادات»، وهكذا، لن يكون مستقبل السباق مرهونًا بمن يطور النموذج الأقوى فقط، بل بمن ينجح في تحويل الكفاءة، وانخفاض التكلفة، إلى نموذج أعمال قادر على تمويل النمو، دون إبقاء الإنفاق في طريق مفتوح بلا نهاية.